فصل: باب الْتِمَسوا لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح صحيح البخاري لابن بطال ***


باب الْوِصَالِ

وَمَنْ قَالَ‏:‏ لَيْسَ فِى اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ‏}‏ ‏[‏البقرة 187‏]‏ وَنَهَى النَّبِىُّ، عليه السلام، رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ‏.‏

- فيه‏:‏ أَنَسٍ‏:‏ قَالَ عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا تُوَاصِلُوا، قَالُوا‏:‏ إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ‏:‏ لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ، إِنِّى أُطْعَمُ وَأُسْقَى‏)‏، أَوْ إِنِّى أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبو سَعِيدٍ‏:‏ قَالَ عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

وترجم له باب الوصال إلى السحر، اختلف العلماء فى تأويل أحاديث الوصال، فقال قائلون‏:‏ إنما هى رسول الله عن الوصال رحمة لأمته وإبقاء عليهم، فمن قدر عليه فلا حرج، لأنه لله تعالى، يدع طعامه وشرابه، وقد واصل جماعة من السلف، ذكر الطبرى بإسناده عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام حتى تيبس أمعاؤه، فإذا كان اليوم السابع أتى بسمن و ‏[‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏]‏ فتحساه حتى يفتق الأمعاء، وعن عبد الرحمن بن أبى نعم أنه كان لا يفطر فى رمضان كله إلا مرتين، وحكى مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير‏:‏ ‏(‏أنه كان يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة من رمضان، لا يفرق بينهما، فقيل له‏:‏ ماذا تجده يقوتك فى وصالك‏؟‏ قال‏:‏ السمن أشربه، أجده يبل عروقى، فأما الماء فإنه يخرج من جسدى‏)‏‏.‏

وأجاز ابن وهب، وأحمد بن حنبل، وإسحاق الوصال من سحر إلأى سحر، واحتجوا بحديث أبى سعيد أن النبى، عليه السلام، قال‏:‏ ‏(‏لا تواوصلوا، وأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر‏)‏‏.‏

فأذن فى ذلك لمن أطاقه من أمته على النحو الذى يجوز، وذلك تأخير الأكل إلى السحر، ونهى عنه من كان له غير مطيق بقوله‏:‏ ‏(‏فاكلفوا من العمل ما تطيقون‏)‏ بعد أن بين لهم أنه قد أعطى من القوة على الوصال ما لم يعط غيره بقوله‏:‏ ‏(‏إنى لست كهيئتكم، إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقينى‏)‏‏.‏

فأما الصوم ليلا فلا معنى له، لأن ذلك غير وقت للصوم، كما شعبان غير وقت لصوم شهر رمضان، وكذلك لا معنى لتأخير الأكل إلى السحر لمن كان صائمًا فى رمضان إذا لم يكن تأخيره ذلك طلبًا للنشاط على قيام الليل، لأن فاعل ذلك إن لم يفعله لما ذكرناه فإنه مجيع نفسه فى غير ما فيه لله رضا، فلا معنى لتركه الأكل بعد مغيب الشمس لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم‏)‏، وكره مالك، والثورى، وأبو حنيفة، والشافعى، وجماعة الوصال على كل حال لمن قدر عليه، ولم يجيزوه لأحد، واحتجوا أنه عليه السلام نهى عنه وقال‏:‏ ‏(‏إذا نهيتكم عن شىء فانتهوا‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ ولما قال‏:‏ ‏(‏لست كهيئتكم‏)‏، أعلمهم أن الوصال لا يجوز لغيره، واحتجوا بقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ فهذا يدل أن الوصال للنبى، عليه السلام، خصوص، وأن المواصل لا ينتفع بوصاله، لأن الليل ليس موضعًا للصوم بدليل هذا الحديث، وبقوله‏:‏ ‏(‏ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 187‏]‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وأما ما روى عن بعض الصحابة وغيرهم من تركهم الأكل الأيام ذوات العدد ليلاً ونهارًا، فإن ذلك كان منهم على أنحاء شتى، فمنهم من كان ذلك منه لقدرته عليه، فيصرف فطره، إذ لم يكن يمنعه تركه من أداء فرائض الله الواجبة عليه إلى أهل الفقر والحاجة، طلب ثواب الله وابتغاء وجهه، مثل ما روى عن الحسن أنه قال‏:‏ لقد أدركنا أقوامًا، وصحبنا طوائف، إن أحدهم يمسى وما عنده من العشاء إلا قدر ما يكفيه، ولو شاء لأتى عليه، فيقول‏:‏ ما أنا بآكله حتى أجعل لله منه، ومنهم من كان يفعله استغناء عنه إذا كانت نفسه قد مرنت عليه واعتادته، كما حدثنى أبو كريب عن أبى بكر بن عياش، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمى قال‏:‏ ربما لبثت ثلاثين يومًا ما أطعم من غير صوم إلا الحبة، وما يمنعنى ذلك من حوائجى، قال الأعمش‏:‏ وكان إبراهيم التيمى يمكث شهرين لا يأكل، ولكنه كان يشرب شربة نبيذ، ومنهم من كان يفعله منعًا لنفسه شهوتها ما لم تَدْعُهُ إلأيه الضرورة، ولا خاف العجز عن أداء الواجب لله عليه، إرادة منه قهرها، وحملها على الأفضل، كالذى روينا عن مجاهد أنه قال‏:‏ ‏(‏لو أكلت كل ما أشتهى ما سويت حشفة‏)‏‏.‏

فما روى عن السلف أنهم كانوا يواصلون الأيام الكثيرة فإنه على بعض هذه الوجوه التى ذكرت، لا أنه كان يصوم الليل، أو على أنه كان يرى أن تركه الأكل والشرب فيه كصوم النهار ولو كان ذلك صومًا، كان لمن شاء أن يفرد الليل بالصوم دون النهار، والنهار دون الليل ويقرنهما إذا شاء، وفى إجماع من تقدم وتأخر ممن أجاز الوصال، وممن كرهه، على أن إفراد الليل بالصوم إذا لم يتقدمه صوم نهار تلك الليلة غير جائز، أَدَلُّ الدليل على أن صومه غير جائز، وإن كان تقدمه صوم نهار تلك الليلة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏إنى أبيت أطعم وأسقى‏)‏، فيه تأويلان‏:‏ أحدهما‏:‏ على ظاهر الحديث يطعمه الله ويسقيه‏.‏

والثانى‏:‏ على الاستعارة‏.‏

والمعنى أن الله تعالى، يرزقه قوة على الصيام كقوة من أكل وشرب، والدليل على صحة هذا القول الآخر أنه لو أطعم وأسقى على الحقيقة لم يكن مواصلاً، ولكان مفطرًا‏.‏

باب التَّنْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الْوِصَالَ

رَوَاهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِىِّ، عليه السلام‏.‏

- فيه‏:‏ أَبَو هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْوِصَالِ فِى الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏:‏ إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ‏:‏ ‏(‏وَأَيُّكُمْ مِثْلِى، إِنِّى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِ‏)‏، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلالَ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ‏)‏، كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا‏.‏

قال المهلب‏:‏ لما نهاهم عليه السلام عن الوصال فلم ينتهوا، بين لهم أنه مخصوص بالقوة بقوله‏:‏ ‏(‏إنى لست كهيئتكم‏)‏، لأن الله يطعمه ويسقيه، فأرادوا تحمل المشقة فى الاستنان به، والاقتداء به، فواصل بهم كالمنكل لهم على تركهم ما أمرهم به من الرخصة، فبان بهذا أن الوصال ليس بحرام، لأنه لو كان حرامًا ما واصل بهم، ولا أتى معهم الحرام الذى نهاهم عنه‏.‏

باب مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِى التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ

- فيه‏:‏ أَبُو جُحَيْفَةَ، قَالَ‏:‏ آخَى النَّبِىُّ، عليه السلام، بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِى الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا‏:‏ مَا شَأْنُكِ‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِى النساء فِى الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ‏:‏ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ‏:‏ كُلْ فَإِنِّى صَائِمٌ، قَالَ‏:‏ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ‏:‏ فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ‏:‏ نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ‏:‏ نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ‏:‏ قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا، قَالَ سَلْمَانُ‏:‏ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِىَّ، عليه السلام، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏صَدَقَ سَلْمَانُ‏)‏‏.‏

اختلف العلماء فيمن دخل فى صلاة أو صيام تطوع فقطعه عامدًا، فروى عن على بن أبى طالب، وابن عباس، وجابر بن عبد الله نه لا قضاء عليه، وبه قال الثورى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بحديث أبى جحيفة وقالوا‏:‏ ألا ترى سلمان لما أمر بالفطر جوزه النبى، عليه السلام، وجعله أفقه منه، واحتج ابن عباس لذلك فقال‏:‏ ‏(‏مثل ذلك كمثل رجل طاف سبعًا ثم قطعه فلم يوفه، فله ما احتسب، أو صلى ركعة ثم انصرف ولم يصل أخرى، فله ما احتسب، أو ذهب بمال يتصدق به فرجع ولم يتصدق، أو تصدق ببعضه وأمسك بعضًا‏)‏، فكره ابن عمر ذلك وقال‏:‏ ‏(‏المفطر متعمدًا فى صوم التطوع ذلك اللاعب بدينه‏)‏، وكره النخعى، والحسن البصرى، ومكحول الفطر فى التطوع، وقالوا‏:‏ يقضيه، وذكر ابن القصار عن مالك أمنه من أفطر فى التطوع لغير عذر فعليه القضاء، وإن أفطره لعذر فلا قضاء عليه، وقال أ ‏[‏و حنيفة وأصحابه‏:‏ عليه القضاء وإن أفطر لعذر‏.‏

واحتج مالك لمذهبه بما رواه فى ‏(‏الموطأ‏)‏، عن ابن شهاب أن عائشة، وحفصة زوجى النبى، عليه السلام، أصبحتا صائمتين متطوعتين، فأهدى لهما طعام، فأفطرتا عليه، فدخل عليهما رسول الله فأخبرتاه بذلك فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏اقضيا مكانه يومًا آخر‏)‏‏.‏

فكان معنى هذا الحديث عند مالك أنهما أفطرتا بغير عذر، فلذلك أمرهما بالقضاء، ومن حجته أيضًا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 33‏]‏، ومن أفطر متعمدًا بعد دخوله فى الصوم فقد أبطل عمله، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 196‏]‏، وأجمع المسلمون أن المفسد لحجة التطوع وعمرته أن عليه القضاء، فالقياس على هذا الإجماع يوجب القضاء على مفسد صومه عامدًا، فإن قيل‏:‏ فقد روى عن النبى، عليه السلام، أنه قال‏:‏ ‏(‏اقضيا إن شئتما يومًا مكانه‏)‏ قيل‏:‏ لا يصح، ولو صح لكان معناه أنهما أفطرتا لعذر، فقال لهما‏:‏ ‏(‏اقضيا إن شئتما‏)‏‏.‏

وأفطرتا فى حال أخرى لغير عذر، فأمرهما بالقضاء حتى لا تتنافى الأحاديث، عن ابن القصار‏.‏

ومن حجة أبى حنيفة ظاهر حديث مالك أن النبى، عليه السلام، قال لعائشة وحفصة‏:‏ ‏(‏اقضيا يومًا مكانه‏)‏، ولم يشترط ذلك لعذر ولا غيره، فدل أنه موجب للقضاء فى جميع الأحوال‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ والنظر فى ذلك أنا رأينا أشياء تجب على العباد بإيجابهم لها على أنفسهم، منها الصلاة والصدقة والحج والعمرة والصيام، فكان من أوجب شيئًا من ذلك على نفسه فقال‏:‏ لله علىّ كذا، وجب الوفاء عليه بذلك، وكان من دخل فى حج أو عمرة تطوعًا ثم أراد الخروج منهما لم يكن له ذلك، وكان بدخوله فيهما فى حكم من قال‏:‏ لله علىّ حج أو عمرة، فعليه الوفاء بهما، وإن خرج منهما بعذر أو بغير عذر فعليه قضاؤهما، والصلاة والصيام فى النظر كذلك‏.‏

قال المهلب‏:‏ وفى حديث أبى جحيفة حُجة لمالك أن من أفطر لعذر أنه لا قضاء عليه، لأن فطر أبى الدرداء إنما كان لوجه من أوجه الاجتهاد فى السنة وسلوك السبيل الوسطى، ولم يكن إفطاره منتهكًا ولا متهاونًا فيجب عليه القضاء، وإنما يجب القضاء على من أفطر متهاونًا بحرمة الصيام لغير عذر ولا وجه من أوجه الصواب‏.‏

ألا ترى أن ابن عمر لم يجد ما يصفه به إلا أن قال‏:‏ ذلك المتلاعب بدينه، فإذا لم يكن متلاعبًا وكان لإفطاره وجه لم يكن عليه قضاء، وفيه النهى عن التعمق والغلو فى العبادة‏.‏

واحتج الشافعى على من احتج عليه بالإجماع فى الحج التطوع والعمرة أنه ليس لأحد الخروج منهما، ومن خرج منهما قضاهما، فإن الصيام قياس على ذلك، فقال‏:‏ الفرق بين ذلك أن من أفسد صلاته أو صيامه أو طوافه كان عاصيًا لو تمادى فى ذلك فاسدًا، وهو فى الحج مأمور بالتمادى فيه فاسدًا، ولا يجوز له الخروج منه حتى يتمه على فساده، ثم يقضيه، وليس كذلك الصوم والصلاة‏.‏

باب صَوْمِ شَعْبَان

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَتْ‏:‏ ‏(‏كَانَ عليه السلام، يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ النبى اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِى شَعْبَانَ‏)‏‏.‏

وقالتْ أيضًا‏:‏ ‏(‏لَمْ يَكُنِ النَّبِىُّ، عليه السلام، يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ‏:‏ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

قال المهلب‏:‏ فيه من الفقه أن أعمال التطوع ليست منوطة بأوقات معلومة، وإنما هى على قدر الإرادة لها والنشاط فيها، وقد روى فى بعض الحديث أن هذا الصيام الذى كان يصوم فى شعبان كان لأنه عليه السلام يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر كما قال لعبد الله بن عمرو، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فذلك صيام الدهر فكان يلتزم ذلك، فربما شغل عن الصيام أشهرًا فيجمع ذلك كله فى شعبان ليدركه قبل صيام الفرض، وفيه وجه آخر، ذكر الطحاوى، وابن أبى شيبة من حديث يزيد بن هارون، عن صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس، قال‏:‏ سئل رسول الله أى الصوم أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏صوم شعبان تعظيمًا لرمضان‏)‏‏.‏

وفيه وجه آخر، ذكر الطحاوى من حديث ابن مهدى، قال‏:‏ حدثنا ثابت بن قيس أبو الغصن، عن أبى سعيد المقبرى، عن أسامة بن زيد، قال‏:‏ كان رسول الله يصوم يومين من كل جمعة لا يدعهما‏:‏ يوم الاثنين والخمس، فقال عليه السلام‏:‏ ‏(‏هذان يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملى وأنا صائم‏)‏، قال‏:‏ وما رأيت رسول الله يصوم من شهر ما يصوم من شعبان، فسألته عن ذلك‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏هو شهر ترفع فيه الأعمال لرب العالمين، فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم‏)‏‏.‏

وقول عائشة فى حديث يحيى عن أبى سلمة بأنه كان يصوم شعبان كله، فليس على ظاهره وعمومه، والمراد أكثره لا جميعه، وقد جاء ذلك عنها مفسرًا، روى ابن وهب عن أسامة بن زيد، قال‏:‏ حدثنى محمد بن إبراهيم، عن أبى سلمة، قال‏:‏ ‏(‏سألت عائشة عن صيام رسول الله فقالت كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان يصوم شعبان، أو عامة شعبان‏)‏‏.‏

وروى عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن ابن أبى لبيد، عن أبى سلمة، قال‏:‏ سألت عائشة عن صيام رسول الله‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ فذكرت الحديث، وقالت‏:‏ ‏(‏ما رأيت رسول الله أكثر صيامًا منه فى شعبان، فإنه كان يصومه كله إلا قليلاً‏)‏‏.‏

وهذه الآثار تشهد لصحتها رواية أبى النضر عن أبى سلمة، عن عائشة‏:‏ ‏(‏أنه ما استكمل صيام شهر قط إلا رمضان‏)‏، ومنها حديث ابن عباس الذى فى الباب بعد هذا، فهى أولى من رواية يحيى عن أبى سلمة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فإن الله لا يمل حتى تملوا‏)‏، فإن الله تعالى لا يجوز عليه الملل، ولا هو من صفاته، وإنما سمى المجازاة باسم الفعل، وهذا هو أعلى طبقات الكلام، وقد تقدم بيان هذا بزيادة فيه فى كتاب الإيمان فى باب‏:‏ أحب الدين إلى الله أدومه، وفى آخر كتاب الصلاة فى باب‏:‏ ما يكره من التشديد فى العبادة‏.‏

باب مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِىِّ، عليه السلام، وَإِفْطَارِهِ

- فيه‏:‏ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ‏:‏ ‏(‏مَا صَامَ النَّبِىُّ، عليه السلام، شَهْرًا كَامِلا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ‏:‏ لا وَاللَّهِ لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ‏:‏ لا وَاللَّهِ لا يَصُومُ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس‏:‏ ‏(‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَلا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَلا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلا رَأَيْتَهُ، وَلا نَائِمًا إِلا رَأَيْتَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

قال المهلب‏:‏ فى هذه الأحاديث من الفقه أن النوافل ليس لها أوقات معلومة، وإنما يراعى فيها وقت النشاط لها والحرص عليها‏.‏

وفيه أن النبى، عليه السلام، لم يلزم سرد الصيام الدهر كله، ولا سرد الصلاة الليل كله، رفقًا بنفسه وأمته لئلا يقتدى به فى ذلك فيجحف، وإن كان قد أُعطى عليه السلام من القوة فى أمر الله ما لو التزم الصعب منه لم ينقطع عنه فركب من العبادة الطريقة الوسطى، فصام وأفطر، وقام ونام، وبهذا أوصى عبد الله بن عمرو حين أراد التشديد على نفسه فى العبادة فقال‏:‏ ‏(‏إنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم‏)‏، فكان إذ كبر يقول‏:‏ يا ليتنى قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏ما مست حريرة ألين من كف رسول الله‏)‏‏.‏

فهذا يدل على كمال فضائل رسول الله خَلْقًا وخُلقًا، وأما طيب رائحته فإنما طيبها الله لمباشرته الملائكة ومناجاته لهم، وقول ابن عباس‏:‏ ‏(‏إن النبى، عليه السلام، ما صام شهرًا كاملا قط غير رمضان‏)‏، يشهد لحديث أبى النضر عن أبى سلمة، عن عائشة بالصحة، وهما مبيِّنان لرواية يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة، عن عائشة ‏(‏أنه عليه السلام كان يصوم شعبان كله‏)‏، أن المراد بذلك أكثره على ما جاء فى حديث محمد بن إبراهيم، وابن أبى لبيد جميعًا عن أبى سلمة المذكورين فى الباب قبل هذا‏.‏

باب حَقِّ الضَّيْفِ فِى الصَّوْمِ

- فيه‏:‏ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ‏:‏ ‏(‏دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلىَ قوله‏:‏ ‏(‏إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إِلى آخره‏.‏

وقد جاء عن النبى، عليه السلام، إكرام الضيف وبره، وذلك من سنن المرسلين، ألا ترى ما صنع إبراهيم بضيفه حين جاءهم بعجل سمين، وقال عليه السلام‏:‏ ‏(‏من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه‏)‏، ومن إكرام الضيف أن تأكل معه، ولا توحشه بأن يأكل وحده، وهو معنى قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏إن لضيفك عليك حقًا‏)‏، يريد أن تطعمه أفضل ما عندك، وتأكل معه، ألا ترى أن أبا الدرداء كان صائمًا فزاره سلمان، فلما قرب إلأيه الطعام قال‏:‏ لا آكل حتى تأكل، فأفطر أبو الدرداء من أجله وأكل معه‏.‏

والزور‏:‏ الضيف، والرجل يأتيه زائرًا الواحد والاثنان والثلاثة‏.‏

والمذكر والمؤنث فى ذلك بلفظ واحد، يقال‏:‏ هذا رجل زور، ورجلان زور، وقوم زور، فيوحد فى كل موضع، لأنه مصدر وضع موضع الأسماء، مثل ذلك هم قوم صوم وفطر وعدل فى أن المذكر والمؤنث بلفظ واحد‏.‏

باب حَقِّ الْجِسْمِ فِى الصَّوْمِ

- فيه‏:‏ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرِو، قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ‏:‏ ‏(‏يَا عَبْدَاللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ‏؟‏ فَقُلْتُ‏:‏ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِذَّا ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ‏)‏، فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَىَّ، قُلْتُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَصُمْ صِيَامَ أَخْىِ دَاوُدَ، وَلا تَزِدْ عَلَيْهِ‏)‏، قُلْتُ‏:‏ وَمَا صِيَامُ دَاوُدَ نَبِىِّ اللَّهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ ‏(‏نِصْفَ الدَّهْرِ‏)‏، فَكَانَ عَبْدُاللَّهِ يَقُولُ‏:‏ بَعْدَ مَا كَبِرَ‏:‏ يَا لَيْتَنِى قَبِلْتُ رُخْصَةَ رسول الله‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ وحق الجسم أن يترك فيه من القوة ما يستديم به العمل، لأنه إذا أجهد نفسه قطعها عن العبادة وفترت، وقد جاء فى الحديث ‏(‏أن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى‏)‏، وقال عليه السلام‏:‏ ‏(‏أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإِنْ قَلَّ‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏اكلفوا من العمل ما تطيقون‏)‏، فنهى عليه السلام عن التعمق فى العبادة وإجهاد النفس فى العمل خشية الانقطاع، ومتى دخل أحد فى شىء من العبادة لم يصلح له الانصراف عنها‏.‏

وقد ذم الله من فعل ذلك بقوله‏:‏ ‏(‏وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 27‏]‏ الآية، فوبخهم على ترك التمادى فيما دخلوا فيه، ولهذا قال عبد الله بن عمرو حين ضعف عن القيام بما كان التزمه‏:‏ ‏(‏ليتنى قبلت رخصة رسول الله‏)‏‏.‏

باب صَوْمِ الدَّهْرِ

- فيه‏:‏ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو‏:‏ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ أَنِّى أَقُولُ‏:‏ وَاللَّهِ لأصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ‏:‏ قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ‏)‏، قُلْتُ‏:‏ فَإِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ‏)‏، قُلْتُ‏:‏ إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ‏)‏، فَقُلْتُ‏:‏ إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ فيه من الفقه أن التألى على الله فى أمر لا يجد منه سعة ولا إلى غيره سبيلاً منهى عنه، كما نهى النبى، عليه السلام، عبد الله بن عمرو عن ما تألى فيه من قيام الليل وصيام النهار، وكذلك من حلف ألا يتزوج ولا يأكل ولا يشرب، فهذا كله غير لازم عند أهل العلم لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 1‏]‏ وللذى حلف ألا ينكح أن ينكح، وكذلك سائر المحرجات الشاملة مباح له إتيان ما حلف عليه وعليه كفارة اليمين بالله‏.‏

وفيه‏:‏ أن التعمق فى العبادة والإجهاد للنفس مكروه لقلة صبر الشر على التزامها لا سيما فى الصيام الذى هو إضعاف للجسم، وقد رخص الله فيه فى السفر، لإدخال الضعف على من تكلف مشقة الحل والترحال، فكيف إذا انضاف ذلك إلى من كلفه الله قتال أعدائه الكافرين حتى تكون كلمة الله هى العليا، ألا ترى أن النبى، عليه السلام، قال ذلك فى هذا الحديث عن داود‏:‏ ‏(‏وكان لا يفر إذا لاقى‏)‏، فإنه أبقى لنفسه قوة، لئلا تضعف نفسه عند المدافعة واللقاء‏.‏

وقد كره قوم من السلف صوم الدهر، روى ذلك عن عمر، وابن مسعود، وأبى ذر، وسلمان، وعن مسروق، وابن أبى ليلى، وعبد الله بن شداد، وعمرو بن ميمون، واعتلوا بقوله عليه السلام فى صيام داود‏:‏ ‏(‏لا أفضل من ذلك‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏لا صام من صام الأبد، مرتين‏)‏، وقالوا‏:‏ إنما نهى عن صيام الأبد لما فى ذلك من الإضرار بالنفس، والحمل عليها، ومنعها من الغذاء الذى هو قوامها وقوتها على ما هو أفضل من الصوم كالصلاة النافلة وقراءة القرآن والجهاد وقضاء حق الزور والضعيف، وقد أخبر عليه السلام بقوله فى صوم داود‏:‏ ‏(‏وكان لا يفر إذا لاقى‏)‏، أن من فضل صومه على غيره إنما كان من أجل أنه كان لا يضعف عن القيام بالأعمال التى هى الأفضل من الصوم، وذلك ثبوته لحرب أعداء الله عند التقاء الزحوف، وتركه الفرار منهم، فكان عليه السلاك إذ قضى بصوم داود بالفضل على غيره من معانى الصيام قد بين أن كل من كان صومه لا يورثه ضعفًا عن أداء فرائض الله، وعن ما هو أفضل من صومه، وذلك من نفل الأعمال، وهو صحيح الجسم، فغير مكروه له صومه ذلك‏.‏

وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شىء من فرائض الله فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عن الفرائض، وأضعفه عما هو أفضل منه من النوافل فإن صومه مكروه، وإن كان غير آثم، وكان ابن مسعود يقل الصوم فقيل له فى ذلك، فقال‏:‏ إنى إذا صمت ضعفت عن الصلاة، والصلاة أحب إلى من الصوم، وكان أبو طلحة لا يكاد يصوم على عهد النبى من أجل الغزو، فلما توفى النبى، عليه السلام، ما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى، وقد سرد ابن عمر الصيام قبل موته بسنتين، وسرد الصيام أيضًا أبو الدرداء، وأبو أمامة الباهلى، وعبد الله بن عمرو، وحمزة بن عمرو، وعائشة، وأم سلمة زوجا النبى، وأسماء بنت أبى بكر، وعبد الله وعروة ابنا الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابن سيرين، وقالوا‏:‏ من أفطر الأيام التبى نهى رسول الله عن صيامها، فليس بداخل فى ما نهى عنه من صوم الدهر، وقال مالك فى ‏(‏المجموعة‏)‏‏:‏ لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام منى، وقد قيل‏:‏ إن رسول الله إنما قال إذ سئل عن صوم الدهر‏:‏ ‏(‏لا صام ولا أفطر‏)‏، لمن صام حتى هلك من صومه، حدثنى بذلك يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن خالد الحذاء، عن أبى قلابة‏:‏ أن امرأة صامت حتى ماتت فقال النبى، عليه السلام‏:‏ ‏(‏لا صامت ولا أفطرت‏)‏، ومن صام حتى بلغ به الصوم هذا الحد فلا شك أنه بصومه ذلك آثم، قاله الطبرى‏.‏

باب حَقِّ الأهْلِ فِى الصَّوْمِ

- فيه‏:‏ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو‏:‏ بَلَغَ النَّبِىَّ أَنِّى أَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَأُصَلِّى اللَّيْلَ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِيْكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَلِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا‏)‏، قُلْت‏:‏ إِنِّى لأقْوَى لِذَلِكَ، يَا رَسُولُ الله، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلا يَفِرُّ إِذَا لاقَى‏)‏، قَالَ‏:‏ مَنْ لِى بِهَذِهِ يَا رَسُولُ اللَّهِ‏.‏

وقال‏:‏ ‏(‏لا صَامَ مَنْ صَامَ الأبَدَ مَرَّتَيْنِ‏)‏‏.‏

وترجم له باب‏:‏ ‏(‏صوم يوم وإفطار يوم‏)‏، وباب‏:‏ ‏(‏صوم نبى الله داود‏)‏‏.‏

حق الأهل أن يبقى فى نفسه قوة يمكنه معها جماعها، فإنه حق يجب للمرأة المطالبة به لزوجها عند بعض أهل العلم، كما لها المطالبة بالنفقة عليها، فإن عجز عن واحدة منهما طلقت عليه بعد الأجل فى ذلك، هذا قول أبى ثور، وحكاه عن أهل الأثر، ذكره ابن المنذر وجماعة الفقهاء على خلافه فى الطلاق إذا عجز عن الوطء، وسيأتى الكلام فى أحكام ذلك فى موضعه من كتاب النكاح، إن شاء الله‏.‏

باب صِيَامِ الأَيَّامِ الْبِيضِ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ

- فيه‏:‏ أَبو هُرَيْرَةَ‏:‏ أَوْصَانِى النبى، عليه السلام، بِثَلاثٍ‏:‏ ‏(‏صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَىِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ ليس فى حديث أبى هريرة أن الثلاثة الأيام التى أوصاه بها من كل شهر هى الأيام البيض كما ترجم به البخارى، وهى موجودة فى حديث آخر، روى الطبرى، قال‏:‏ حدثنا مخلد بن الحسن، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقى، عن زيد بن أبى أنيسة، عن أبى إسحاق السبيعى، عن جرير بن عبد الله البجلى، عن النبى، عليه السلام، أنه قال‏:‏ ‏(‏صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، أيام البيض‏:‏ صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة‏)‏، وروى شعبة، عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن المنهال، عن أبيه، قال‏:‏ ‏(‏أمرنى النبى، عليه السلام، بالأيام البيض، وقال‏:‏ هو صوم الشهر‏)‏‏.‏

وروى من حديث عمر، وأبى ذر عن النبى، عليه السلام‏:‏ أنه قال لأعرابى ذكر له أنه صائم قال‏:‏ ‏(‏أين أنت عن العزِّ البيض‏:‏ ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة‏)‏‏.‏

رواه ابن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن موسى بن طلحة، عن رجل من بنى تميم يقال له‏:‏ ابن الحَوْتكيّة عن عمرو، وأبى ذر‏.‏

وممن كان يصوم الأيام البيض من السلف‏:‏ عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأ بو ذر، ومن التابعين الحسن البصرى، والنخعى، وسئل الحسن البصرى لم صام الناس الأيام البيض وأعرابى يسمع، فقال الأعرابى‏:‏ لأنه لا يكون الكسوف إلآ فيها، ويحب الله ألا تكون فى السماء آية إلا كانت فى الأرض عبادة‏.‏

قال الطبرى‏:‏ فاختار هؤلاء صيام هذه الأيام البيض لهذه الآثار، واختار قوم من السلف صيام ثلاثة أيام من كل شهر غير معيَّنة على ظاهر حديث أ ‏[‏ى هريرة المذكور فى هذا الباب، وروى معمر عن الجريرى، عن أبى العلاء بن الشخير أن أعرابيا سمع النبى، عليه السلام، قال‏:‏ ‏(‏صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن كثيرًا من وغر الصدر‏)‏‏.‏

قال مجاهد‏:‏ وغر الصدر‏:‏ هو غشه‏.‏

وممن كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويأمر بهن‏:‏ على بن أبى طالب، ومعاذ بن جبل، وأبو ذر، وأبو هريرة، وكان بعض السلف يختار الثلاثة من أول الشهر، وهو الحسن البصرى، وكان بعضهم يختار الاثنين والخميس، وهى أم سلمة زوج النبى، عليه السلام، وقالت إنه أمرها بذلك، وكان بعضهم يختار السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الذى يليه الثلاثاء والأربعاء والخميس، ومن الشهر الذى يليه كذلك، وهى عائشة أم المؤمنين، ومنهم من كان يصوم آخر الشهر، وهو النخعى ويقول‏:‏ هو كفارة لما مضى، فأما الذين اختاروا صوم الاثنين والخميس فلحديث أم سلمة وأخبار أخر رويت عن النبى، عليه السلام، أن الأعمال تعرض على الله فى الاثنين والخميس، فأحبوا أن تعرض أعمالهم على الله وهم صيام، وأما الذين اختاروا ما اختارت عائشة فلئلا يكون يوم من أيام السنة إلا قد صامه، وأما الذين اختاروا ذلك من أول الشهر فلما رواه شيبان عن عاصم بن بهدلة، عن زر عن عبد الله بن مسعود، قال‏:‏ ‏(‏كان النبى، عليه السلام، يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ والصواب عندى فى ذلك أن جميع الأخبار عن النبى، عليه السلام، صحاح، ولكن لما صح عنه أنه اختار لمن أراد صوم الثلاثة الأيام من كل شهر الأيام البيض، فالصواب اختيار ما اختار عليه السلام، وإن كان غير محظور عليه أن يجعل صوم ذلك ما شاء من أيام الشهر، إذ كان ذلك نفلا لا فرضًا‏.‏

فإن قيل‏:‏ أو ليس قد قلت أن النبى، عليه السلام، كان يصوم الاثنين والخميس، ويصوم الثلاثة من غرة الشهر‏؟‏‏.‏

قيل‏:‏ نعم، ولا يدل على أن الذى اختار للأعرابى من أيام البيض ليس كما اختار وأن ذلك من فعله دليل على أن أمره للأعرابى ليس بالواجب، وإنما هو أمر ندب وإرشاد، وأن لمن أراد من أمته صوم ثلاثة أيام من كل شهر تخير ما أحب من أيام الشهر، فيجعل صومه فيما اختار من ذلك كما كان الرسول يفعله، فيصوم مرة الأيام البيض، ومرة غرة الهلال، ومرة الاثنين والخميس، إذ كان لأمته الاستنان به فيما لم يعلمهم أنه له خاص دونهم، روى ابن القاسم عن مالك فى العتبية أنه كره تعمد صوم الأيام البيض، وقال‏:‏ ما هذا ببلدنا، وقال‏:‏ الأيام كلها لله، وكره أن يجعل على نفسه صوم يوم يؤقته أو شهر، قال عنه ابن وهب‏:‏ فإنه لعظيم أن يجعل على نفسه صوم يوم يؤقته أو شهر كالفرض، ولكن يصوم إذا شاء، ويفطر إذا شاء‏.‏

قال ابن حبيب‏:‏ وبلغنى أن صوم مالك بن أنس أول يوم من الشهر واليوم العاشر واليوم العشرون‏.‏

باب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ

68- فيه‏:‏ أَنَسٍ‏:‏ دَخَلَ النَّبِىُّ، عليه السلام، عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِى سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِى وِعَائِهِ، فَإِنِّى صَائِمٌ‏)‏، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لأمِّ سُلَيْمٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى خُوَيْصَّةً، قَالَ‏:‏ ‏(‏مَا هِيَ‏)‏‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلا دُنْيَا إِلا دَعَا لِى بِهِ، قَالَ‏:‏ ‏(‏اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالاً وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ‏)‏، فَإِنِّى لَمِنْ أَكْثَرِ الأنْصَارِ مَالا، وَحَدَّثَتْنِى ابْنَتِى أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِى مَقْدَمَ الحَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ‏.‏

فى هذا الحديث حجة لمالك والكوفيين أن الصائم المتطوع لا ينبغى له أن يفطر بغير عذر ولا سبب موجب للإفطار، وليس هذا الحديث بمعارض لإفطار أبى الدرداء حين زاره سلمان وامتنع من الأكل إن لم يأكل معه، وهذه توجب الإفطار، لأن للضيف حقا كما قال عليه السلام‏.‏

قال المهلب‏:‏ وفيه أن الصائم إذا دعى إلى طعام فليدع لأهله بالبركة يؤنسهم بذلك ويسرهم، وفيه وجوب الإخبار عن نعم الله عند الإنسان والإعلان بمواهبه، وأن لا يجحد نعمه، وبذلك أمر الله، تعالى، فى كتابه فقال‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 11‏]‏، وفيه أن تصغير اسم الرجل على معنى التعطف له، والترحم عليه، والمودة له، لا ينقصه ولا يحطه، وفيه دليل على جواز رد الهدية والطعام المبذول إذا لم يكن فى ذلك سوء أدب على باذله ومُهْديه، ولا نقيصة عليه، ويخص الطعام من ذلاك أنه إذا لم يعلم من الناس حاجة فحينئذ يجمل رده، وإذا علم منهم حاجة فلا يرده ويبذله لأهله، كما فعل عليه السلام بأم سليم فى غير هذا الحديث حين بعث هو وأبو طلحة أنسًا إلأيها لتعد الطعام لرسول الله وأصحابه‏.‏

باب الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ

- فيه‏:‏ عِمْرَانَ قَالَ النَّبِىِّ، عليه السلام‏:‏ ‏(‏يَا فُلانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ‏)‏‏؟‏ قَالَ‏:‏ أَظُنُّهُ، قَالَ‏:‏ يَعْنِى رَمَضَانَ، قَالَ الرَّجُلُ‏:‏ لا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ‏)‏، لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ‏:‏ أَظُنُّهُ يَعْنِى رَمَضَانَ‏.‏

وقال ثَابِتٌ‏:‏ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِىِّ، عليه السلام‏:‏ ‏(‏مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ‏)‏‏.‏

قال أبو عبيد‏:‏ السرار آخر الشهر إذا استسر الهلال، قال ابن قتيبة‏:‏ ربما استسر القمر ليلة أو ليلتين، قال‏:‏ ويقال‏:‏ سرر الشهر وسراره وسره، وسرار أجود، قال الخطابى‏:‏ وفيه لغات يقال‏:‏ سَرَرُ الشهر وسَرَارُهُ وسِرُّهُ‏.‏

قال الطبرى‏:‏ فالذين اختاروا صيام الثلاثة الأيام من آخر الشهر فإنهم تأولوا أن يكون ذلك كفارة لما مضى من ذنوبهم، ويجوز أن يكون معنى قوله‏:‏ ‏(‏سرر هذا الشهر‏)‏ أى من وسطه، لأنها الأيام الغر التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيامها، وسرارة كل شىء وسطه وأفضله‏.‏

قال ذو الرمة يصف حمارًا‏:‏ كأنه عن سرار الأرض محجوم يريد عن وسطها، وهو موضع الكلأ منها، وقال ابن السكيت‏:‏ سرار الأرض أكرمه وأفضله، وقال الخطابى‏:‏ قد كان بعض أهل العلم يقول إن سؤاله عليه السلام فى هذا الحديث سؤال زجر وإنكار، لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين، ويشبه أن يكون هذا الرجل قد كان أوجبهما على نفسه فاستحب له الوفاء بهما، وأن يجعل قضاؤهما فى شوال‏.‏

باب صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ

وَإِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ، يَعْنِى إِذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ، وَلا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ بَعْدَهُ‏.‏

- فيه‏:‏ جَابِر، نَهَى النَّبِىُّ عليه السَّلام عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ النَّبِىَّ عليه السَّلام يَقُولُ‏:‏ ‏(‏لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو أَيُّوبَ دَخَلَ النَّبِىّ عليه السَّلام عَلَى جُوَيْرِيَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِىَ صَائِمَةٌ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏أَصُمْتِ أَمْسِ‏)‏‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ لا، قَالَ‏:‏ ‏(‏تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِى غَدًا‏)‏‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ لا، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَأَفْطِرِى‏)‏، فَأَمَرَهَا فَأَفْطَرَتْ‏.‏

اختلف العلماء فى صيام يوم الجمعة، فنهت طائفة عن صومه إلا أن يصام قبله أو بعده على ما جاء فى هذه الآثار، روى هذا القول عن أبى هريرة وسلمان، وروى عن أبى ذر، وعلى بن أبى طالب أنهما قالا‏:‏ إنه يوم عيد وطعام وشراب، فلا ينبغى صيامه، وهذا قول ابن سيرين والزهرى، وبه قال أحمد وإسحاق، ومنهم من قال‏:‏ يفطر ليقوى على الصلاة فى ذلك اليوم، وروى ذلك عن النخعى، كما قال ابن عمر‏:‏ لا صيام يوم عرفة بعرفة من أجل الدعاء، وأجازت طائفة صيامه، روى عن ابن عباس أنه كان يصوم يوم الجمعة ويواظب عليه، وقال مالك‏:‏ لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ممن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه، وقيل‏:‏ إنه ابن المنكدر‏.‏

وقال الشافعى‏:‏ لا يبين لى أنه نهى عن صيام يوم الجمعة إلا على الاختيار، وقد روى عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ ‏(‏ما رأيت النبى عليه السلام يفطر يوم الجمعة‏)‏ رواه شيبان عن عاصم، عن زر، عن عبد الله‏.‏

ورواه شعبة عن عاصم فلم يرفعه، فهى علة فيه‏.‏

وروى ليث ابن أبى سليم، عن عمير بن أبى عمير، عن ابن عمر أنه قال‏:‏ ‏(‏ما رأيت رسول الله مفطرًا يوم الجمعة قط‏)‏ وليث ضعيف، وأحاديث النهى أصح‏.‏

وأكثر الفقهاء على الأخذ بأحاديث الإباحة؛ لأن الصوم عمل بر، فوجب ألا يمنع عنه بدليل لا معارض له‏.‏

قال المهلب‏:‏ ويحتمل أن يكون نهيه عن صيام يوم الجمعة والله أعلم خشية أن يستمر الناس الناس على صومه فيفرض عليهم، كما خشى من صلاة الليل، فقطعه لذلك، وخشى أن يلتزم الناس من تعظيم يوم الجمعة ما التزمه اليهود والنصارى فى يوم السبت والأحد من ترك العمل والتعظيم، فأمر بإفطاره، ورأى أن قطع الذرائع أعظم أجرًا من إتمام ما نوى صومه لله‏.‏

وذكر الطحاوى قال‏:‏ روى ابن وهب عن معاوية بن صالح، عن أبى بشر، عن عامر ابن لدين الأشعرى أنه سأل أبا هريرة عن صيام يوم الجمعة فقال‏:‏ على الخبير وقعت، سمعت رسول الله يقول‏:‏ إن يوم الجمعة عيدكم، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده‏)‏‏.‏

فكره رسول الله أن يقصد إليه بعينه بصوم للتفرقة بينه وبين شهر رمضان وسائر الأيام؛ لأن فريضة الله فى رمضان بعينه وليس كذلك سائر الأيام والله أعلم‏.‏

باب هَلْ يَخُصُّ مِنَ الأيَّامِ شَيْئًا

- وفيه‏:‏ عَلْقَمَةَ، قُلْتُ لِعَائِشَةَ‏:‏ هَلْ كَانَ النَّبِىّ عليه السَّلام يَخْصُّ مِنَ الأيَّامِ شَيْئًا‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ لا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُطِيقُ‏.‏

معناه‏:‏ أنه كان لا يخص شيئًا من الأيام دائمًا ولا راتبًا، إلا إنه قد عنه عليه السلام أنه كان أكثر صيامه فى شعبان، وقد حض عليه السلام على صيام الاثنين والخميس، ذكره عبد الرزاق وغيره، لكن كان صيامه عليه السلام على حسب نشاطه، فربما وافق الأيام التى رغب فيها، وربما لم يوافقها، وقد روى الطحاوى عن على بن شيبة، حدثنا روح، حدثنا شعبة قال‏:‏ حدثنا يزيد الرشك، عن معاذة، عن عائشة ‏(‏أنها سئلت أكان رسول الله يصوم ثلاثة أيام من كل شهر‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، فقيل لها من أيِّه‏؟‏ قالت‏:‏ ما كان يبالى من أى الشهر صامها‏)‏‏.‏

باب صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ

- فيه‏:‏ أُمِّ الْفَضْلِ أَنَّ النَّاسَ تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِى صَوْمِ النَّبِىِّ عليه السَّلام فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ‏.‏

- وفيه‏:‏ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِى صِيَامِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلابٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ فِى الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ ثبت أن النبى عليه السلام أفطر يوم عرفة، وروى عنه أن صوم عرفة يكفر سنتين، رواه الثورى عن منصور، عن مجاهد، عن حرملة بن إياس الشيبانى، عن أبى قتادة‏:‏ ‏(‏أن رسول الله سئل عن صيام يوم عرفة فقال‏:‏ ‏(‏يكفر سنتين‏:‏ سنة ماضية، وسنة مستأخرة‏)‏، ورواه شعبة عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزِّمَّانى، عن أبى قتادة‏.‏

واختلفوا فى صوم يوم عرفة بعرفة فقال ابن عمر‏:‏ لم يصمه النبى عليه السلام ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، وأنا لا أصومه‏.‏

وقال ابن عباس يوم عرفة‏:‏ لا يصحبنا أحد يريد الصيام، فإنه يوم تكبير وأكل وشرب، واختار مالك، وأبو حنيفة، والثورى الفطر، وقال عطاء‏:‏ من أفطر يوم عرفة ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم، وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة، وكان الحسن يعجبه صوم يوم عرفة، ويأمر به الحاج، وقال‏:‏ رأيت عثمان بعرفة فى يوم شديد الحر وهو صائم وهم يروحون عنه، وكأن أسامة بن زيد، وعورة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسعيد بن جبير يصومون بعرفة، وقال قتادة‏:‏ لا بأس بذلك إذا لم يضعف عن الدعاء، وقال الشافعى‏:‏ أحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، فأما من حج فأحب أن يفطر ليقوى به على الدعاء، وقال عطاء‏:‏ أصومه فى الشتاء، ولا أصومه فى الصيف‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وإنما أفطر عليه السلام بعرفة ليدل على أن الاختيار فى ذلك الموضع للحاج الإفطار دون الصوم؛ كيلا يضعف عن الدعاء، وقضاء ما لزمه من مناسك الحج، وكذلك من كره صومه من السلف فإنما كان لما بيناه من إيثرهم الأفضل من نفل الأعمال على ما دونه، وإبقاء على نفسه ليتقوى بالإفطار على الاجتهاد فى العبادة، ومن آثر صومه أراد أن يفوز بثواب صومه لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏للجنة باب يدعى الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون‏)‏‏.‏

وقال المهلب‏:‏ فى شربه عليه السلام اللبن يوم عرفة أن العيان أقطع الحجج وأنه فوق الخبر، وقد قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏ليس الخبر كالمعاينة‏)‏‏.‏

وفيه أن الأكل والشرب فى المحافل مباح إذا كان لتبيين معنَّى، أَوْ دَعَت إليه ضرورة، كما فعل يوم الكديد إذا علم بما يريد بيانه من سنته عليه السلام، وفيه جواز قبول الهدية من النساء، ولم يسألها إن كان من مالها أو من مال زوجها، إذا كان هذا المقدار لا يتشاح الناس فيه‏.‏

باب صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ

- فيه‏:‏ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ‏:‏ هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِهِمَا، يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو سَعِيد، نَهَى النَّبِىُّ عليه السَّلام عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ‏.‏

قال الطبرى‏:‏ إن قال قائل‏:‏ إنك تكره صوم اليوم الذى يشك فيه أنه من رمضان، وصوم أيام التشريق نحو الذى تكره من صوم هذين اليومين، ويروى عن النبى عليه السلام من النهى عن صيامها نظير روايتك عنه النهى عن صومهما، ثم تجيز صوم أيام التشريق قضاءً من واجب، وتبيح صوم الشك تطوعًا، فما بال يوم الفطر والأضحى خالفا حكم ذلك، وهل اتفق حكم جميع ذلك كما اتفق النهى عن صوم جميعها‏.‏

قيل‏:‏ لم نخالف بين حكم شىء من ذلك إلا لمخالفة الله تعالى بين ذلك، وذلك أن الأمة مجمعة وارثة عن نبيها أن صوم اليومين غير جائز تطوعًا ولا فريضة، وهما يوما عيد، وصحت الأخبار عن النبى عليه السلام أنه كان يصوم شعبان فوصله برمضان، وقيام الحجة بأن لم يجد من المتمتعين هديًا صوم أيام منى، فذلك الدليل الثابت على افتراق أحكام ذلك‏.‏

باب الصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَعِيد، نَهَى النَّبِىّ عليه السَّلام عَنْ صِيَامَيْنِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ‏.‏

وجَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ‏:‏ رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، قَالَ‏:‏ أَظُنُّهُ‏:‏ قَالَ‏:‏ الاثْنَيْنِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ‏:‏ أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنَهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ‏.‏

قد تقدم أن الأمة مجمعة على أنه لا يجوز صيام يوم الفطر والنحر، ولو نذر ناذر صيام يوم بعينه فوافق ذلك يوم فطر أو أضحى، فأجمعوا أنه لا يصومها‏.‏

واختلفوا فى قضائهما، فروى عن مالك فى ذلك ثلاثة أقوال، روى ابن وهب عنه أنه لا يقضيهما، وروى ابن القاسم، وابن وهب عنه أنه يقضيهما إلا أن يكون نوى ألا يقضيهما، وبه قال الأوزاعى، وروينا عنه أنه لا يقضيهما إلا أن يكون نوى أن يصومهما، قال ابن القاسم‏:‏ وقوله‏:‏ لا قضاء عليه إلا أن ينوى أن يقضيه، أحب إلى، وقال أبو حنيفة وصاحباه‏:‏ يقضيهما، واختلف قول الشافعى، فمرة قال‏:‏ يقضيهما، ومرة قال‏:‏ لا يقضيهما، قال غيره‏:‏ والقياس ألا قضاء فى ذلك؛ لأنه من نذر صوم يوم بعينه أنه لا يخلو أن يدخل فيه صوم يوم الفطر والأضحى أو لا يدخل، فإن دخل فى نذره فلا يلزمه؛ لأن من قصد إلى نذر صومه لم يلزمه، ونذره باطل، وإن لم يدخل فى نذره فهو أبعد من أن يجب عليه قضاؤه‏.‏

باب صوم أَيَّامِ التَّشْرِيقِ

- فيه‏:‏ عَائِشَةُ، أنها كانت تَصُومُ أَيَّامَ مِنًى، وَكَانَ أَبُوهَا يَصُومُهَا‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، وابْن عُمَرَ‏:‏ الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى‏.‏

قال المؤلف‏:‏ أيام التشريق هى أيام منى، وهى الأيام المعدودات، وهى الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر من ذى الحجة‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ واختلف العلماء فى صيامها، فروى عن ابن الزبير أنه كان يصومها، وعن الأسود بن يزيد مثله، وقال أنس‏:‏ كان أبو طلحة قل ما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى، وكذلك كان ابن سيرين يصوم الدهر غير هذين اليومين، وكان مالك والشافعى يكرهان صوم أيام التشريق إلا للمتمتع الذى لا يجد الهدى، فيصوم هذه الثلاثة الأيام؛ لأنها فى الحج إذا لم يصمها فى العشر على ما جاء عن عائشة وابن عمر، وروى ذلك عن عبيد ابن عمير وعروة، وهو قول الأوزاعى وإسحاق، ذكره ابن المنذر‏.‏

وذكر الطحاوى أن هؤلاء أباحوا صيام أيام التشريق للمتمتع والقارن والمحصر إذا لم يجد هديًا ولم يكونوا صاموا قبل ذلك، ومنعوا منها من سواهم، وخالفهم آخرون فقالوا‏:‏ ليس هؤلاء ولا لغيرهم من الناس أن صوموا هذه الأيام عن شىء من ذلك، ولا عن كفارة، ولا فى تطوع؛ لنهى النبى عليه السلام عن ذلك، ولكن على المتمتع والقارن الهدى لتمتعهما وقرانهما، وهدى آخر؛ لأنهما حلا بغير صوم، هذا قول الكوفيين، وهو أحد قولى الشافعى، وذكر ابن المنذر عن على بن أبى طالب أن المتمتع إذا لم يجد الهدى، ولم يصم الثلاثة الأيام فى العشر، يصومها بعد أيام التشريق، وهو قول الحسن وعطاء، واحتج الكوفيون بما روى إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه، عن جده قال‏:‏ ‏(‏أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادى أيام منى أنها أيام أكل وشرب، ولا صوم فيها‏)‏ يعنى أيام التشريق، وروته عائشة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن حذافة، وأبو هريرة كلهم عن النبى عليه السلام فلما تواترت هذه الآثار بالنهى عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى والحاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون ولم يستثن منهم أحدًا، دخل فى ذلك المتمتعون والقارنون وغيرهم، قال ابن القصار‏:‏ ومن حجة مالك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 196‏]‏، ولا خلاف بين العلماء أن هذه الآية نزلت يوم التروية، وهو الثامن من ذى الحجة، فعلم أنه أباح لهم صومها، وأنهم صاموا فيها؛ لأن الذى بقى من العشر الثامن والتاسع، والثامن الذى نزلت فيه الآية لا يصح صومه؛ لأنه يحتاج إلى تبييت من الليل، والعاشر يوم النحر، والإجماع أنه لا يصام، فعلم أنهم صاموا بعد ذلك‏.‏

وقول ابن عمر وعائشة‏:‏ ‏(‏لم يرخص فى أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى‏)‏ يرفع الإشكال فى ذلك، قال المهلب‏:‏ ومن حجة مالك أيضًا قول عمر بن الخطاب فى يوم الفطر والنحر‏:‏ ‏(‏هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما‏:‏ يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تاكلون فيه من نسككم‏)‏، فخص اليومين بالنهى، وبقيت أيام التشريق مباحة، فأما قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏فإنها أيام أكل وشرب‏)‏ فإنما يختص بذلك من لم يكن عليه صوم واجب، فعلى هذا تتفق الأحاديث، وفى إباحة صيامها للمتمتع حجة لمالك فيما ترجح قوله فيه فيمن يبتدئ صوم الظهار فى ذى القعدة، وقال‏:‏ عسى أن يجزئه إن نسى أو غفل إذا أفطر يوم النحر وصام أيام التشريق، ثم وصل اليوم الذى أفطره، رجوت أن يجزئه، ويبتدئه أحب إلى، وإنما قال ذلك؛ لأن صوم المتمع صوم واجب، وإنما ينهى عن صيامها من ليس عليه صوم واجب، وقال غير واحد عن مالك‏:‏ إن اليوم الرابع لم يختلف قوله فيه، ولا يصام تطوعًا، وقال ابن المنذر‏:‏ مذهب ابن عمر فى صيام هذه الثلاثة الأيام من حين يحرم بالحج وآخرها يوم عرفة، وهذا معنى قول البخارى عن ابن عمر‏:‏ ‏(‏الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة‏)‏‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ وجماعة الفقهاء لا يختلفون فى جواز صيامها بعد الإجرام بالحج، إلا عطاء فإنه قال‏:‏ إن صامهن حلالاً أجزأه، وهو قول أحمد بن حنبل، قال أبو بكر‏:‏ لا يجب الصوم على المتمتع إلا بعد الإحرام، فمن صام قبل ذلك كان تطوعًا، ولا يجزئه عن فرضه، وفى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 296‏]‏ أبين البيان أنه لا يجزئه صيامها فى غير الحج، وهذا يرد أيضًا ما روى عن على والحسن وعطاء‏.‏

باب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَإِذَا أصبح وَلم ينو الصيام ثُمَّ صام

- فيه‏:‏ ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىُّ عليه السَّلام يَوْمَ عَاشُورَاءَ‏:‏ ‏(‏إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ فطر‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىّ عليه السَّلام أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ‏.‏

وقال مُعَاوِيَةَ‏:‏ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ‏؟‏ سَمِعْتُ النَّبِىّ عليه السَّلام يَقُولُ‏:‏ ‏(‏هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، قَالَ‏:‏ قَدِمَ النَّبِىُّ عليه السَّلام الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏مَا هَذَا‏)‏‏؟‏ قَالُوا‏:‏ هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِى إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ‏)‏‏.‏

وقال ابْنِ عَبَّاسٍ‏:‏ مَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ عليه السَّلام يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِى شَهْرَ رَمَضَانَ‏.‏

- وفيه‏:‏ سَلَمَةَ، قَالَ‏:‏ أَمَرَ النَّبِىُّ عليه السَّلام رَجُلا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِى النَّاسِ‏:‏ ‏(‏أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ‏)‏‏.‏

اختلفت الآثار فى صوم يوم عاشوراء، فدل حديث عائشة على أن صومه كان واجبًا قبل أن يفرض رمضان، ودل أيضًا أن صومه قد رد إلى التطوع بعد أن كان فرضًا، ودل حديث سلمة أيضًا على وجوبه‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ وفى أمر النبى عليه السلام إياهم بصومه بعد أن أصبحوا دليل على أن من كان فى يوم عليه صومه بعينه، ولم يكن نوى صومه من الليل أنه يجوز أن ينوى صومه بعد ما أصبح إذا كان ذلك قبل الزوال‏.‏

قال المؤلف‏:‏ قد تقدمت هذه المسألة والخلاف فيها فى باب ‏(‏إذا نوى بالنهار صومًا‏)‏‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ ورويت عن الرسول آثار أخر دليل على أن صومه اختيار لا فرض، منها‏:‏ حديث ابن عباس وذلك أنه أخبر بالعلة التى من أجلها صامه النبى عليه السلام وأنه إنما صامه شكرًا لله فى إظهاره موسى على فرعون، فدل ذلك على الاختيار لا على الفرض، وعلى مثل ذلك دل حديث ابن عمر ومعاوية‏.‏

واختلفت الآثار أى يوم هو يوم عاشوراء، فروى فى حديث الحكم بن الأعرج أنه سأل ابن عباس عنه فقال‏:‏ ‏(‏إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائمًا، قلت‏:‏ كذلك كان يصوم النبى عليه السلام‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ وهذا يدل أنه عنده اليوم التاسع، وقد بين ذلك حماد ابن سلمة، عن على بن زيد، عن عمار ابن أبى عمار، عن ابن عباس قال‏:‏ هو اليوم التاسع‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ وقد جاء فى حديث الحكم بن الأعرج أنه اليوم العاشر، ذكر عبد الرزاق، عن إسماعيل بن عبد الله، أخبرنى يونس بن عبيد، عن الحكم بن الأعرج، عن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏إذا أصبحت فعد تسعًا وعشرين يومًا، ثم أصبح صائمًا فهو يوم عاشوراء، يعنى عد من بعد يوم النحر‏)‏ وكذلك قال الحسن البصرى، وسعيد ابن المسيب‏:‏ هو اليوم العاشر‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ يصوم التاسع والعاشر، روى ذلك عن ابن عباس وأبى رافع أصحاب أبى هريرة، وابن سيرين، وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق، هذا قول ابن المنذر، وقال صاحب العين‏:‏ عاشوراء اليوم العاشر من المحرم، وقيل هو التاسع، قال الطحاوى‏:‏ وقد روى ابن أبى ذئب عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير، عن ابن عباس، عن النبى عليه السلام أنه قال‏:‏ ‏(‏لئن عشت للعام القابل لأصومن يوم التاسع، عاشوراء‏)‏‏.‏

وقال ابن أبى ذئب مرة فى حديثه ‏(‏لأصومن عاشوراء، يوم التاسع‏)‏ خلاف قوله‏:‏ ‏(‏لأصومن يوم التاسع‏)‏؛ لأن قوله‏:‏ ‏(‏لأصومن عاشوراء، يوم التاسع‏)‏ إخبار منه أنه يكون ذلك اليوم يوم عاشوراء، وقوله‏:‏ ‏(‏لأصومن التاسع‏)‏ يحتمل لأصومنه مع العاشر لئلا أقصد بصومى إلى يوم عاشوراء بعينه كما تفعل اليهود، ولكنى أخلطه بغيره فأكون قد صمته بخلاف ما تصومه اليهود، وقد روى عن ابن عباس ما دل على هذا المعنى، روى ابن جريح عن عطاء، عن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏خالفوا اليهود، صوموا يوم التاسع والعاشر‏)‏ فدل ذلك على أن ابن عباس صرف تأويل قوله‏:‏ ‏(‏لأصومن يوم التاسع‏)‏ إلى ما صرفناه إليه، وقد جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى ابن أبى ليلى عن داود بن على، عن أبيه، عن جده ابن عباس، عن النبى عليه السلام فى صوم يوم عاشوراء‏:‏ ‏(‏صوموه وصوموا قبله يومًا أو بعده، ولا تشبهوا باليهود‏)‏ فثبت بهذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بصوم يوم التاسع أن يدخل صوم يوم عاشوراء فى غيره من الصيام حتى لا يكون مقصودًا بعينه كما جاء عنه فى صيام يوم الجمعة، روى سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله ابن عمرو قال‏:‏ ‏(‏دخل النبى عليه السلام على جويرية يوم جمعة وهى صائمة، فقال لها‏:‏ ‏(‏أصمت أمس‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ لا، قال‏:‏ ‏(‏وتصومين غدًا‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ لا، قال‏:‏ ‏(‏فأفطرى إذًا‏)‏ قال الطحاوى‏:‏ ووجه كراهيته إفراد هذه الأيام بالصيام التفرقة بين شهر رمضان وبين سائر ما يصوم الناس غيره؛ لأن شهر رمضان مقصود إليه بعينه لفرضه بعينه، وغيره من الشهور ليس كذلك، وبهذا كان يأخذ ابن عمر فكان لا يصوم عاشوراء إلا أن يوافق صومه‏.‏

وقال الطبرى‏:‏ كراهية ابن عمر لصيامه نظير كراهية من كره صوم رجب إذ كان شهر تعظمه الجاهلية، فكره أن يعظم فى الإسلام ما كان يعظمه أهل الجاهلية من غير تحريم صومه إذا ابتغى بصومه ثواب الله عز وجل لا مريدًا به إحياء سنة أهل الشرك‏.‏

وقد جاء فى فضل يوم عاشوراء ما روى شعبة عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد، عن أبى قتادة، عن النبى عليه السلام قال فى صوم يوم عاشوراء‏:‏ ‏(‏إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله‏)‏، وكان يصومه من السلف‏:‏ على بن أبى طالب، وأبو موسى، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وأمر بصومه أبو بكر وعمر‏.‏

فإن قيل‏:‏ فقد رخص فى صيام أيام بعينها مقصودة بالصوم، وهى الأيام البيض، فهذا دليل أنه لا بأس بالقصد بالصوم إلى يوم بعينه‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ قيل له‏:‏ إنه قد قيل إن الأيام البيض إنما أمر بصومها؛ لأن الكسوف يكون فيها، ولا يكون فى غيرها، وقد أمر بالتقرب إلى الله بالصلاة والعتاق وغير ذلك من أعمال البر عند الكسوف، فأمر بصيام هذه الأيام، ليكون ذلك برًا مفعولاً بعقب الكسوف، فذلك صيام غير مقصود به إلى يوم لعلته فى نفسه، ولكنه مقصود به فى وقت شكره لله لعرض كان فيه، فلا بأس بذلك، فكذلك صيام يوم الجمعة إذا صامه رجل لعارض من كسوف شمس أو قمر أو شكر الله لمعنى فلا بأس بذلك وإن لم يصم قبله يومًا ولا بعده يومًا‏.‏

وعاشوراء وزنه‏:‏ فاعولا، وهو من أبنية المؤنث، وهو صفة لليلة، واليوم مضاف إليها، وعلى ما حكاه الخليل أنه اليوم التاسع يكون عاشوراء صفة لليوم، فيقال‏:‏ سوم عاشوراء، وينبغى ألا يضاف إلى اليوم؛ لأن فيه إضافة الشىء إلى نفسه، ومن جعل عاشوراء صفة لليلة فهو أصح فى اللغة، وهو قول من يرى أنه اليوم العاشر، وقال الداودى‏:‏ قول معاوية‏:‏ ‏(‏أين علماؤكم‏؟‏‏)‏‏.‏

يدل أنه سمع شيئًا أنكره، إما أن سمع قول من لا يرى بصومه فضلاً، أو سمع قول من يقول إنه فرض، فذكر ما روى فيه‏.‏

وليوم عاشوراء فضائل منها‏:‏ ما ذكر فى الحديث أن الله فرق فيه البحر لموسى بن عمران، وغرق فرعون وجنوده، ومنها ما روى معمر عن قتادة قال‏:‏ ركب نوح فى السفينة فى رجب فى عشر بقين منه، ونزل من السفينة يوم عاشوراء‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ هو يوم تاب الله فيه على آدم‏.‏

وقال ابن حبيب‏:‏ وفيه أخرج يوسف من الجب، وفيه نَجَّى الله يونس من بطن الحوت، وفيه تاب الله على قوم يونس، وفيه ولد عيسى بن مريم، وفيه تكسى الكعبة البيت الحرام فى كل عام‏.‏

وروى شعبة، عن أبى الزبير، عن جابر، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر السنة‏)‏ قال جابر وأبو الزبير وشعبة‏:‏ جربناه فوجدناه كذلك، وقاله يحيى بن سعيد وابن عيينة أيضًا‏.‏

باب فَضْلِ مَنْ قَامَ رَمَضَان

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِرَمَضَانَ‏:‏ ‏(‏مَنْ قَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ‏)‏‏.‏

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ‏:‏ فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالأمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِى خِلافَةِ أَبِى بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عَبْدٍالْقَارِىِّ، خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ لَيْلَةً فِى رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّى الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّى الرَّجُلُ فَيُصَلِّى بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ‏:‏ إِنِّى أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ‏:‏ نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِى يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنِ الَّتِى يَقُومُونَ، يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىّ عليه السَّلام خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِى الْمَسْجِدِ، وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَصَلَّى فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏(‏أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَىَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّى خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا‏)‏، فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالأمْرُ عَلَى ذَلِكَ‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَتْ‏:‏ لم يكن رسُولُ اللَّهِ يَزِيدُ فِى رَمَضَانَ وَلا فِى غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّى أَرْبَعًا، فَلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ أَرْبَعًا، ثُمَّ ثَلاثًا‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من قام رمضان إيمانًا‏)‏ يعنى مصدقًا بما وعد الله من الثواب عليه، وقوله‏:‏ ‏(‏احتسابًا‏)‏ يعنى يفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى‏.‏

وفى جمع عمر الناس على قارئ واحد دليل على نظر الإمام لرعيته فى جمع كلمتهم وصلاح دينهم، قال المهلب‏:‏ وفيه أن اجتهاد الإمام ورأيه فى السنن مسموع منه مؤتمر له فيه، كما ائتمر الصحابة لعمر فى جمعهم على قارئ واحد؛ لأن طاعتهم لاجتهاده واستنباطه طاعة لله تعالى لقوله‏:‏ ‏(‏وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 83‏]‏، وفيه جواز الاجتماع لصلاة النوافل، وفيه أن الجماعة المتفقة فى عمل الطاعة مرجو بركتها، إذ دعاء كل واحد منهم يشمل جماعتهم، فلذلك صارت صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فيجب أن تكون النافلة كذلك، وفيه أن قيام رمضان سنة لأن عمر لم يسن منه إلا ما كان رسول الله يحبه، وقد أخبر عليه السلام بالعلة التى منعته من الخروج إليهم، وهى خشية أن يفترض عليهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا، فلما أمن عمر أن تفترض عليهم فى زمانه لانقطاع الوحى؛ أقام هذه السنة وأحياها، وذلك سنَةَ أربع عشرة من الهجرة فى صدر خلافته‏.‏

قال المهلب‏:‏ وفيه أن الأعمال إذا تركت لعلة، وزالت العلة أنه لا بأس بأعادة العمل، كما أمر عمر صلاة الليل فى رمضان بالجماعة، وفيه أنه يجب أن يؤم القوم أقرؤهم، فلذلك قال عمر‏:‏ أُبَى أقرؤنا، فلذلك قدمه عمر، وهذا على الاختيار إذا أمكن؛ لأن عمر قدم أيضًا تميمًا الدارى، ومعلوم أن كثيرًا من الصحابة أقرأ منه، فدل هذا أن قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏يؤم القوم أقرؤهم‏)‏ إنما هو على الاختيار، قول عمر‏:‏ ‏(‏نعم البدعة‏)‏ فالبدعة اختراع ما لم يكن قبل، فما خالف السنة فهو بدعة ضلالة، وما وافقها فهو بدعة هُدى، وقد سئل ابن عمر عن صلاة الضحى فقال‏:‏ بدعة، ونعم البدعة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏والتى ينامون عنها أفضل‏)‏ يعنى القيام آخر الليل لحديث التنزل واستجابة الرب تعالى فى ذلك الوقت لمن دعاه، وقد تقدم معنى قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏خشيت أن يفترض عليكم‏)‏ فى باب ‏(‏تحريض الرسول على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب‏)‏ فى آخر كتاب الصلاة، فأغنى عن إعادته، وكذلك تقدم فى باب ‏(‏قيام النبى بالليل فى رمضان وغيره‏)‏ واختلافهم فى عدد القيام فى رمضان، ونذكر منه هنا طرفًا لم يمض هناك، وهو أن قول عائشة‏:‏ ‏(‏لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد فى رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة‏)‏‏.‏

فهذه الرواية مطابقة لما روى مالك عن محمد ابن يوسف، عن السائب بن يزيد قال‏:‏ أمر عمر، رضى الله عنه، أبىَّ بن كعب وتميمًا الدارى أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة‏.‏

وقال الداودى وغيره‏:‏ وليست رواية مالك عن السائب بمعارضة برواية من روى عن السائب ثلاثًا وعشرين ركعة، ولا ما روى مالك عن يزيد ابن رومان قال‏:‏ ‏(‏كان الناس يقومون فى رمضان بثلاث وعشرين ركعة‏)‏ معارضة لروايته عن السائب؛ لأن عمر جعل الناس يقومون فى أول أمره بإحدى عشرة ركعة كما فعل النبى عليه السلام وكانوا يقرؤن بالمئين ويطولون القراءة، ثم زاد عمر بعد ذلك فجعلها ثلاثًا وعشرين ركعة على ما رواه يزيد بن رومان، وبهذا قال الثورى، والكوفيون، والشافعى، وأحمد، فكان الأمر على ذلك إلى زمن معاوية، فشق على الناس طول القيام لطول القراءة، فخففوا القراءة وكثروا من الركوع، وكانوا يصلون تسعًا وثلاثين ركعة، فالوتر منها ثلاث ركعات، فاستقر الأمر على ذلك وتواطأ عليه الناس، وبهذا قال مالك، فليس ما جاء من اختلاف أحاديث قيام رمضان يتناقض، وإنما ذلك فى زمان بعد زمان، والله الموفق، وقد تقدم اختلافهم فى تأويل قولها‏:‏ ‏(‏يصلى أربعًا ثم أربعًا‏)‏ فى أبواب صلاة الليل فى كتاب الصلاة، وأن ذلك مرتب على قوله‏:‏ ‏(‏صلاة الليل مثنى مثنى‏)‏، وأنه سلم من الأربع، والرد على من أنكر ذلك، وكذلك تقدم فى باب ‏(‏تحريض النبى على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب‏)‏ اختلافهم فى صلاة رمضان، هل هى أفضل فى البيت أو مع الإمام‏؟‏ وقوله‏:‏ ‏(‏فإذا الناس أوزاع‏)‏ قال صاحب ‏(‏العين‏)‏‏:‏ أوزاع الناس‏:‏ ضروبهم منهم، والتوزيع‏:‏ القسمة‏.‏

باب فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ

قَالَ تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ‏}‏ ‏[‏القدر‏:‏ 1‏]‏ إلى آخر السورة‏.‏

وقال ابْنُ عُيَيْنَةَ‏:‏ مَا كَانَ فِى الْقُرْآنِ‏:‏ ‏(‏وَمَا أَدْرَاكَ ‏(‏فَقَدْ أَعْلَمَهُ، وَمَا قَالَ‏:‏ ‏(‏وَمَا يُدْرِيكَ ‏(‏فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ‏.‏

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ معنى قوله‏:‏ ‏(‏إيمانًا‏)‏ يعنى‏:‏ تصديقًا أن الله فرض عليه الصوم، واحتسابًا لثواب الله عليه، وقد تقدم هذا المعنى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏غفر له ما تقدم من ذنبه‏)‏ قول عام يُرجى لمن فعل ما ذكره فى الحديث أن يغفر له جميع الذنوب‏:‏ صغيرها وكبيرها؛ لأنه لم يستثن ذنبًا دون ذنب، وفى الخبر أن القيام فى ليلة القدر أرجى منه فى غيرها من الليالى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ‏(‏روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ نزل القرآن جملة واحدة فى ليلة القدر فى شهر رمضان إلى السماء الدنيا، فجعل فى بيت العزة، ثم نزل على النبى صلى الله عليه وسلم فى عشرين سنة‏.‏

وقال ابن عباس أيضًا‏:‏ أنزل الله القرآن جملة واحدة فى ليلة القدر إلى السماء الدنيا، فكان يمواقع النجوم، فكان الله ينزله على رسوله بعضه فى إثر بعض، فقالوا‏:‏ ‏(‏لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 32‏]‏‏.‏

وذكر ابن وهب، عن مسلمة بن على، عن عروة قال‏:‏ ‏(‏ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة من بنى إسرائيل فقال‏:‏ اعبدوا الله ولم يعصوه طرفة عين، فذكر أيوب، وزكريا، وحزقيل، ويوشع بن نون، فعجب أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم من ذلك، فأتاه جبريل فقال‏:‏ يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيرًا من ذلك، ثم قال‏:‏ ‏(‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ‏(‏هذا أفضل مما عجبت منه أنت وأمتك، فَسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه‏)‏‏.‏

قال مالك‏:‏ وبلغنى عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول‏:‏ من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 4‏]‏ قال‏:‏ يكتب فى أم الكتاب فى ليلة القدر ما يكون من السنة إلى السنة‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ليلة القدر ليلة الحكم‏.‏

وقال غيره‏:‏ كأنه تقدر فيها الأشياء‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ‏{‏سَلاَمٌ هِىَ‏}‏ قال‏:‏ خير هى ‏{‏حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ‏}‏‏.‏

باب الْتِمَسوا لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ

- فيه‏:‏ ابْن عُمَرَ، أَنَّ رِجَالا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ عليه السَّلام أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى الْمَنَامِ فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِى السَّبْعِ الأوَاخِرِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو سَعِيد، اعْتَكَفْنَا مَعَ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم الْعَشْرَ الأوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا، وَقَالَ‏:‏ ‏(‏إِنِّى أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، أَوْ نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ فِى الْوَتْرِ، وَإِنِّى رَأَيْتُ أَنِّى أَسْجُدُ فِى مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلْيَرْجِعْ‏)‏، فَرَجَعْنَا، وَمَا نَرَى فِى السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْجُدُ فِى الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِى جَبْهَتِهِ‏.‏

قوله فى حديث ابن عمر‏:‏ ‏(‏فمن كان متحريها فليتحراها فى السبع الأواخر‏)‏ يريد فى ذلك العام الذى تواطأت فيه الرؤيا على ذلك، وهى ليلة ثلاث وعشرين؛ لأنه قال فى حديث أبى سعيد‏:‏ ‏(‏فالتمسوها فى العشر الأواخر فى الوتر، وإنى رأيت أنى أسجد فى ماء وطين فمطرنا فى ليلة إحدى وعشرين‏)‏، وكانت ليلة القدر فى حديث أبى سعيد فى ذلك العام فى غير السبع الأواخر‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ وعلى هذا التأويل لا تتضاد الأخبار، وفى حديث أبى سعيد زيادة معنى أنها تكون فى الوتر، وقد جاء فى حديث عبد الله بن أنيس أنه عليه السلام قال‏:‏ ‏(‏التمسوها الليلة‏)‏، وكانت ليلة ثلاث وعشرين، فقال رجل‏:‏ هذا أول ثمان، فقال‏:‏ بل أول سبع؛ لأن الشهر لا يتم‏)‏ فثبت بهذا أنها فى السبع الأواخر، وأنه قصد ليلة ثلاث وعشرين؛ لأن ذلك الشهر كان ناقصًا، فدل هذا أنها قد تكون فى غيرها من السنين بخلاف ذلك‏.‏

قال المؤلف‏:‏ وقد روى الثورى عن عاصم بن أبى النجود، عن زر بن حبيش قال‏:‏ ‏(‏قلت لأبى بن كعب‏:‏ أخبرنى عن ليلة القدر؛ فإن ابن مسعود قال‏:‏ من يقم الحول يصبها‏.‏

فقال‏:‏ يرحمه الله، لقد علم أنها فى رمضان، ولكن عمى على الناس لئلا يتكلوا، والذى أنزل الكتاب على محمد، إنها فى رمضان، وإنها ليلة سبع وعشرين‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ ومن ذهب إلى قول ابن مسعود وتأول منه أنها فى سائر السنة فلا دليل له إلا الظن من دوران الزمان بالزيادة والنقصان فى الأهلة، وذلك ظن فاسد؛ لأنه محال أن يكون تعليقها بليلة فى غير شهر رمضان كما لم يعلق صيامها بأيام معلومة تدور فى العام كله بالزيادة والنقصان فى الأهلة فيكون صوم رمضان فى غير رمضان، فكذلك لا يجب أن تكون ليلة القدر فى غير رمضان‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ وفى كتاب الله ما يدل أنها فى شهر رمضان خاصة، وهو قول‏:‏ ‏(‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 3، 4‏]‏، فأخبر تعالى أن الليلة التى يفرق فيها كل أمر حكيم هى ليلة القدر، وهى الليلة التى أنزل الله فيها القرآن فقال تعالى‏:‏ ‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏ فثبت بذلك أن تلك الليلة فى شهر رمضان‏.‏

والقزع‏:‏ قطع من سحاب دقاق، عن صاحب العين، وقوله‏:‏ ‏(‏من كان متحريها‏)‏ يعنى‏:‏ من كان قاصدًا لها، يقال‏:‏ تحريت الشئ، إذا قصدته وتعمدته، وقوله‏:‏ ‏(‏إنى أرى رؤياكم قد تواطت‏)‏ فإن المحدثين يرونه كذلك، وإنما هو تواطأت بالهمز من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 37‏]‏، ومن قوله‏:‏ ‏(‏إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْءًا‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 6‏]‏، ولكنه يجوز فى كلام كثير من العرب حذف الهمز، ومعنى ‏(‏تواطت‏)‏‏:‏ اتفقت واجتمعت على شىء واحد، والتوطئة‏:‏ التلبين يقال‏:‏ وطأت لفلان هذا الأمر، إذا سهلته ولينته‏.‏

باب تَحَرِّى لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِى الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأوَاخِرِ فِى رَمَضَان

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، وَقَالَ النَّبِىّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، فَابْتَغُوهَا فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ، وَابْتَغُوهَا فِى كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِى أَسْجُدُ فِى مَاءٍ وَطِينٍ‏)‏، فَاسْتَهَلَّتِ السَّمَاءُ فِى تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَأَمْطَرَتْ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِى مُصَلَّى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَبَصُرَتْ عَيْنِى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ انْصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ وَوَجْهُهُ مُمْتَلِئٌ طِينًا وَمَاءً‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ النَّبِىّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏الْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِى سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِى خَامِسَةٍ تَبْقَى‏)‏‏.‏

وقال ابْنُ عَبَّاسٍ، عن النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم أيضًا‏:‏ ‏(‏هِىَ فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ، فِى تِسْعٍ يَمْضِينَ، أَوْ فِى سَبْعٍ يَبْقَيْنَ‏)‏‏.‏

وقال‏:‏ ابْنِ عَبَّاس‏:‏ الْتَمِسُوا فِى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ‏.‏

قال الطبرى‏:‏ اختلف الصحابة والتابعون لهم بإحسان فى تحديد ليلة القدر بعينها، مع اختلافهم عن النبى عليه السلام حدها، قال ابن مسعود‏:‏ هى ليلة عشرة من رمضان‏.‏

وقال على وابن مسعود وزيد بن ثابت‏:‏ هى ليلة تسع عشرة‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ ليلة إحدى وعشرين على حديث أبى سعيد، روى ذلك أيضًا عن على وابن مسعود، وقال آخرون‏:‏ ليلة ثلاث وعشرين على حديث ابن عمر، وابن عباس‏.‏

وروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وبلال، وقاله مكحول، وقال ابن عباس وبلال‏:‏ هى ليلة أربع وعشرين، وهو قول الحسن وقتادة، وأحسب الذين قالوا هذه المقالة ذهبوا إلى قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏التمسوها لسبع بقين‏)‏ أن السابعة هى أول الليالى السبع البواقى، وهى ليلة أربع وعشرين إذا كان الشهر كاملاً، وقال على، وابن عباس، وأبى بن الكعب، ومعاوية‏:‏ هى ليلة سبع وعشرين‏.‏

وروى عن بن عمر أنه قال‏:‏ هى فى رمضان كله، وروى عبد الله بن بريدة عن معاوية، عن النبى عليه السلام ‏(‏أنها آخر ليلة‏)‏‏.‏

وقال أيوب عن أبى قلابة‏:‏ إنها تجول فى ليالى العشر كلها‏.‏

قال الطبرى‏:‏ والآثار المروية فى ذلك عن النبى عليه السلام صحاح، وهى متفقة غير مختلفة، وذلك أن جميعها ينبئ عنه عليه السلام أنها فى العشر الأواخر، وغير منكر أن تتجول فى كل سنة فى ليلة من ليالى العشر كما قال أبو قلابة، وكان معلومًا أنه عليه السلام إنما قال فى كل ليلة من الليالى التى أمر أصحابه بطلبتها فيها أنها كانت عنده فى ذلك العام فى تلك اليلة، فالصواب أنها فى شهر رمضان دون شهور السنة؛ لإجماع الجميع وراثة عن النبى عليه السلام أنه قال‏:‏ ‏(‏هى فى العشر الأواخر فى وتر منها‏)‏ ثم لا حد فى ذلك خاص لليلة بعينها لا يعدوها إلى غيرها؛ لأن ذلك لو كان محصورًا على ليلة بعينها لكان أولى الناس بمعرفتها النبى عليه السلام مع جده فى أمرها ليعرفها أمته، فلم يعرفهم منها إلا الدلالة عليها أنها ليلة طلقة، لا حارة ولا باردة، وأن الشمس تطلع فى صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، ولأن فى دلالته أمته عليها بالآيات دون توقيفه على ليلة بعينها دليل واضح على كذب من زعم أنها تظهر فى تلك اليلة للعيون ما لا يظهر فى سائر السنة من سقوط الأشجار إلى الأرض، ثم رجوعها قائمة إلى أماكنها؛ إذ لو كان ذلك حقا، لم يخفف عن بصر من يقوم ليال السنة كلها، فكيف ليالى شهر رمضان، وأما الذى خصت به هذه الليلة من دون سائر الليالى فإنها خير من ألف شهر، يعنى بذلك أن عملاً فيها بما يرضى الله ويحبه من صلاة ودعاء وشبهه خير من عمل فى ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وأنه يستجاب فيها الدعاء ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، وقال مالك فى قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏التمسوها فى تاسعة تبقى‏)‏ هى ليلة إحدى وعشرين و ‏(‏سابعة تبقى‏)‏ ليلة ثلاث وعشرين، و ‏(‏خامسة تبقى‏)‏ ليلة خمس وعشرين‏.‏

قال المؤلف‏:‏ وإنما يصح معناه وتوافق ليلة القدر وترًا من الليالى على ما ذكر فى الحديث إذا كان الشهر ناقصًا، فأما إن كان كاملاً فإنها لا تكون إلا فى شفع فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين، والخامسة الباقية ليلة ست وعشرين، والسابعة الباقية ليلة أربع وعشرين على ما ذكره البخارى عن ابن عباس، فلا تصادف واحدة منهن وترا، وهذا يدل على انتقال ليلة القدر كل سنة فى العشر الأواخر من وتر إلى شفع، ومن شفع إلى وتر؛ لأن النبى عليه السلام لم يأمر أمته بالتماسها فى شهر كامل دون ناقص، بل أطلق على طلبها فى جميع شهور رمضان التى قد رتبها الله مرة على التمام، ومرة على النقصان، فثبت انتقالها فى العشر الأواخر كلها ما قاله أبو قلابة‏.‏

وقول ابن عباس فى حديثه‏:‏ ‏(‏هى فى تسع يمضين أو فى سبع يبقين‏)‏ هو شك منه أو من غيره فى أى اللفظين قال عليه السلام، ودل قوله فى الحديث الآخر‏:‏ ‏(‏فى سابعة تبقى‏)‏ أن الصحيح من لفظ الشك قوله‏:‏ ‏(‏فى سبع يبقين‏)‏ على طريقة العرب فى التأريخ إذا جازوا نصف الشهر فإنما يؤرخوا بالباقى منه لا بالماضى، ولهذا المنى عدوا تاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين، ولم يعدوها ليلة تسع وعشرين، وعدوا سابعة تبقى ليلة أربع وعشرين، ولم يعدوها ليلة سبع وعشرين لما لم يأخذوا العدد من أول العشر، وإنما كان يكون ذلك لو قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏فى تاسعة تمضى‏)‏ ولما قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏التمسوها فى التاسعة والخامسة‏)‏ وكان كلامًا مجملاً يحتمل معانى، وخشى عليه السلام التباس معناه على أمته، بَيَّن الوجه المراد منه فقال‏:‏ ‏(‏فى تاسعة تبقى، وفى سابعة تبقى، وفى خامسة تبقى‏)‏ ليزول الإشكال فى ذلك والله أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فوكف المسجد‏)‏ قال صاحب الأفعال‏:‏ يقال‏:‏ وكف المطر والدمع والبيت وكوفًا ووكيفا ووكفانًا‏:‏ سال‏.‏

باب رَفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِتَلاحِى النَّاسِ

- وفيه‏:‏ عُبَادَةَ، خَرَجَ النَّبِىُّ عليه السَّلام لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏خَرَجْتُ لأخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِى التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فرفعت‏)‏ يعنى رفع علمها عنه بسبب تلاحى الرجلين، فحرموا به بركة ليلة القدر، والتلاحى‏:‏ التجادل والتخاصم، يقال‏:‏ تلاحى فلان وفلان تلاحيًا، ولاحى فلان فلانًا ملاحاة ولحاءً بالمد، وهذا يدل أن الملاحاة والخلاف يصرف فضائل كثير من الدين، ويحرم أجرًا عظيمًا؛ لأن الله تعالى لم يرد التفرق من عباده، وإنما أراد الاعتصام بحبله، وجعل الرحمة مقرونة بالاعتصام بالجماعة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 118، 119‏]‏، وروى عن الرسول وجه آخر فى رفع معرفتها، روى ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، أن رسول الله قال‏:‏ ‏(‏أريت ليلة القدر، ثم أيقظنى بعض أهلى فنسيتها، فالتمسوها فى العشر الغوابر‏)‏‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ وهذا خلاف حديث عبادة، إلا أنه قد يجوز أن يكون ذلك كان فى عامين، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أحدهما ما ذكره عنه أبو هريرة قبل كون الليلة التى هى ليلة القدر، وذلك لا ينفى أن يكون فيما بعد ذلك العام فيما قبل ذلك من الشهر، ويكون ما ذكره عبادة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على ليلة القدر بعينها، ثم خرج ليخبرهم بها فرفعت، ثم أمر بالتماسها فيما بعد ذلك العام فى التاسعة والسابعة والخامسة، وذلك كله على التحرى لا على اليقين، فدل ذلك على انتقالها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏عسى أن يكون خيرًا لكم‏)‏ يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثير من العمل، هو خير من هذه الجهة، والغوابر‏:‏ البواقى فى آخر الشهر، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ عَجُوزًا فِى الْغَابِرِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 171‏]‏ يعنى الباقين الذين أتت عليهم الأزمنة، وقد تجعله العرب بمعنى الماضى أحيانًا، وهو من الأضداد، عن الطبرى‏.‏

باب الْعَمَلِ فِى الْعَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَان

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَتْ‏:‏ ‏(‏كَانَ النَّبِىُّ عليه السَّلام إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الأواخر شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ‏)‏‏.‏

إنما فعل ذلك عليه السلام؛ لأنه أخبر أن ليلة القدر فى العشر الأواخر، فَسَنَّ لأمته الأخذ بالأحوط فى طلبها فى العشر كله لئلا تفوت، إذ يمكن أن يكون الشهر ناقصًا وأن يكون كاملا، فمن أحيا ليال العشر كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، ولو أعلم الله عباده أن فى ليالى السنة كلها مثل هذه الليلة لوجب عليهم أن يحيوا الليالى كلها فى طلبها، فذلك يسير فى جنب طلب غفرانه، والنجاة من عذابه، فرفق تعالى بعباده وجعل هذه الليلة الشريفة موجودة فى عشر ليال؛ ليدركها أهل الضعف وأهل الفتور فى العمل مَنا من الله ورحمة‏.‏

وقال سفيان الثورى‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏شد مئزره‏)‏ فى هذا الحديث يعنى‏:‏ لم يقرب النساء، وفى قوله‏:‏ ‏(‏أيقظ أهله‏)‏ من الفقه أن للرجل أن يحض أهله على عمل النوافل، ويأمرهم بغير الفرائض من أعمال البر، ويحملهم عليها‏.‏

كمل ‏(‏كتاب الصيام‏)‏ بحمد الله وحسن عونه وتأييده، وصلى الله على محمد رسوله، خير خلقه، وصفوة عبيده‏.‏